حياة

أغلقت الباب وراء الضيوف, وعيناها تطيران فرحا.. سارعت بعناق ابنتها.. ما رأيك ؟ أليس مناسبا ؟10257071-md
كانت جامدة الملامح.. لم تبد أي استهجان.. كذلك وجهها لم ترتسم عليه أي علائم للرضى او القبول..

مازلت لا أعرف شيئا عنه.. أنها المرة الأولى التي أراه, فكيف لي أن أقبل أو أرفض..
لم يعجبها كلام ابنتها.. ولم تختفي بوادر السرور على وجهها..


” جيل طايش لا يعرف مصلحته” .. رددت في نفسها..


عند المساء..

علائم الرضا ترتسم على وجه الأب.. فهو يعلم جيدا هذه العائلة.. ويرى بأن الشاب مناسب تماما لهم ولابنتهم..


عن الفتاة..

لأول ليلة في حياتها ولوقت غير محدد في حياتها الهادئة.. كان الأرق رفيق سريرها..

لقد قرأت هدوءا في وجه والدها.. هذا الرضا المدمج بالقبول الغير قابل للتراجع عنه, او للنقاش فيه..

عادت تفكر به.. أخذت تستحضر ملامح وجهه التي لم تغري ذاكرتها بأن تسجل أي تفاصيل تخصه..

كان رجلا.. تعدى مرحلة الشباب المغامر.. وقاره وذلك الشيب الذي غزا شعره عميقا.. يضيف سنوات جديدة إلى عمره الذي يقترب من الأربعين..

فكرت من جديد..

هل يناسبها؟.. وماذا تعرف عنه؟ ..

لاشيء سوى انه قد نال رصيدا كافيا لدى عائلتها..

استطاعت ان تتلمس حربا على وشك الوقوع في أيامها المسالمة فيما لو فكرت بالرفض..

ولكنها نسيت أنها اضعف من ان تدافع حتى عن رأيها..

لكن ليست هذه أحلامها.. ولا طريقة تفكيرها.. إنها تحلم بشيء آخر وشاب آخر وحلم آخر..

استجمعت أفكارها وحزمت أمرها.. واتخذت قرارها.. ستخبر والدتها برفضها.. فهي لا تحبه, ولن تتزوج بطريقة أمها وجدتها..

زادتها أفكارها تقلبا في سريرها.. حتى غفت عند أول خيط من خيوط الصباح..


عند الصباح..

لامكان لحججها الطفولية حسبما زعمت والدتها..

إنها محظوظة.. وسترتبط بعائلة مرموقة وكفى.. وما تتلفظ به ليس الا ترهات لا تتعدى كونها أفكار غوغائية تشوش عليها وجه الحقيقة والصواب..


وماذا عن الحب..

كان آخر سلاح واجهت به قناعات أمها.. لتصبح بعدها خالية الوفاض من أي سبب حقيقي لرفضها..

أردفت أنا لا أحبه…

صمتت الأم.. ممتصة حنق ابنتها..

” وأين ستحبينه.. أعطه على الأقل فرصة ليعبر هو عن نفسه.. لتعرفيه بشكل أفضل.. مازال الوقت مبكرا على هذه المشاعر..”

لعل ذلك صحيحا..

وتكررت الزيارات. ثانية وثالثة.. إلى أن تم تحديد موعد الخطوبة..

ولازالت مشاعرها حيادية.. غير قادرة على حبه.. او حتى كراهيته..


في ذلك المساء..

لبست الخاتم.. حلم كل فتاة أن تلبسه من رجل تحبه.. لكنها لم تشعر به الا وزنا ثقيلا على إصبعها.. وشعورا غريبا على شفافية تفكيرها..


أخبرنها.. صديقاتها.. ان الخطوبة تقرب الرجل من خطيبته.. وقبلاته.. ستوقظ مشاعر جديدة على أحاسيسها وعندها ستحبه..


وقبلها لأول مرة.. وتتالت القبلات.. ولم تشعر بأي إحساس خاص بما تلفظنّ به


لاحقا.. سمحت له بمساحة اكبر من جسدها مع قبلاته.. علّها مشاعرها.. تتحرك مع شوقه لها.. لكن…!!!!


وحان موعد زفافها.. لكنها مترددة وجدا من هذا الزواج.. فهي لا تشعر بغبطة أو سعادة.. بل فقط بإحساس مجهول..


في ذلك المساء.. استجمعت كل جملها لترتب منها جملة مفيدة على مسامع والدها ومفادها بأنها : لا تريد الزواج منه..

وكان لها التقريع.. فهي مجنونة تريد إثارة فضيحة حسبما زعم.. ضمن عائلة اعتادت الهدوء في حياتها..

ولا مجال لأي رأي مخالف لنسائها أمام ذكورها..

ابتلعت غصتها وصمتت ربما هي مخطئة.. وما تهذي به ليس الا خوفا لا مبرر له..


تم الزفاف..

وماهي الا أيام مضت حتى كانت صدمتها تكبر وتتسع..

أين هي منه؟.. وأين هو منها ؟..

أهذا هو الزواج ؟

وأين هما مما قرأته من أساطير الحب.. والجنس والمتعة.. مرارا في الكتب والروايات..

كان رجلا كريما.. هادئا.. محبا لها.. لكنه بالمقابل كان يجهل تماما أي شي يسمى

” عالم الأنثى”

فحياته منذ نعومة أظافره.. العمل أولا وأخيرا..

لم تستفق من صدمتها الا على واقع حملها الذي جعلها تسعد بأمومتها..

اشهرا مرت بسرعة لتصبح مسؤولة عن مخلوق بشري كامل.. يحتاج لكل الحب والعناية فكيف لو كان هذا البشري أنثى مثلها..

تلاها طفل ثاني وثالث..

ولم تجد نفسها الا وتسير مشوارا موغلا في الإرهاق والواجبات المتتالية

خلعت عنها رداء الحب والرغبة.. ولبست رداء الأمومة..

الأم التي عليها ان تعطي إلى مالا نهاية.. بدون حدود او حساب

وكبرت بكرها الغالية.. وغدت فتاة جميلة.. لتذكرها بأيامها التي ولت سريعا..

فقد كانت نسخة عن والدتها..

وجاء من يطلبها عروسا له.. وفي نفس العمر الذي تزوجت به سابقا..


ماذا تقول لابنتها ؟

هل عليها الزواج كما تزوجت أمها وجدتها..

أفكار كثيرة راودتها قبل ان تصارح ابنتها بالعريس المزعوم..

هل تخبرها.. وكيف تفعل ؟؟

ابنتها الآن في سنتها الأخيرة في الجامعة.. ولا تريد لشيء ان يلهيها عن تخرجها..

هل تلغي الموضوع من قبلها.. أم تخبرها وتترك الخيار لها..

لكنه شخص مناسب جدا لها ولعائلاتها

وأخيرا..

حسمت أمرها..


” حبيبتي… جاءك عريس اليوم.. وهو مناسب جدا لك ” …

لن أتزوج بهذه الطريقة انهي الموضوع فورا..


جميعنا تزوجنا هكذا.. انه مناسب جدا.. أعطه فرصة.. وامنحي نفسك ذات الفرصة معه..

…………………

ربا الحمود : حقوقية وكاتبة وناشطة في الشأن العام .

الفوتوغراف : Dina Bova

اضف تعليق او اضف رابط تبادل

2 تعليق

  1. شمس
    26 أغسطس 2010 بتوقيت 11:26 م | الرابط

    القصة ليست مجرد حياة إنما هي واقع
    واقع تعيشه حواء في معظم الأسر …باستثناء من فازت بمن تحبه ويحبها ….

  2. ربا الحمود
    27 أغسطس 2010 بتوقيت 10:06 م | الرابط

    شكرا شمس
    هذا صحيح انها قصة روح وحياة كل فتاة تجد نفسها هدفا لمجرد مرور الوقت بهدوء
    مادام الحب سيبقى حبيس عاداتنا بالنظر على انه تهمة وخطيئة
    سنبقى دائما نعيش وقتا فارغا يسمى حياة

    شكرا لمرورك عزيزتي شمس

اضف تعليق

عنوان بريدك لن يعرض للعموم المعلومات المطلوبة بجانبها اشارة *

*
*