كان جالسا وراء مكتبه, منكبا على كتبه وأوراقه, وحاسبه..
تاركا باب غرفته مشرعا, مواربا ضمن زاوية معينة, لا تستطيع أن تحدد هل هو مغلق.. أم مفتوح..
هل بما معناه انه قد يرغب بها كزائرة.. أم أن مواربة هذا الباب قد تعني بأنه لا يرغب بها أو بغيرها.
أم أن هذا الباب يتحكم بزواياه تبعا للشخص الذي يقف قبالته
دائما يتركها في حيرة من أمر حبها وقلبها
وقفت طويلا أمام ذلك الباب, تعبت قدماها من الانتظار, بعكس عيناها اللتين تمعنان النظر من خلال المساحة الضيقة المتاحة لعينيها تسترقان النظر إليه.
كعادته دائما.. هادئا.. لا ينظر إلا حيث يعمل أو يقرأ .. لو انه فقط يرفع بنظره إلى حيث تقف عند الباب.. ليته يراها, يدعوها إليه للجلوس معه.. ولو صامتة.. تراقبه وهو يعمل.
لكنها أبت أن تدخل.. وفضلت البقاء واقفة عند ذلك الباب المشرع.. بانتظار أن يحدث أي شيء يرغمه على رفع رأسه..
نظرت إليه من جديد..
إلى يديه التي تتسابق على أزرار حاسبه..
هاتان اليدان كم شعرت بدفئهما في ذلك اليوم الهارب من أيامها الرتيبة
عندما أحاطتا بكتفيها نزولا إلى جسدها..
ابتسمت للحظة.. تذكرت فيها لحظات.. لطالما استحضرتها.. كلما جمح بها شوقها لرؤيته أو سماع صوته ولم تفلح في ذلك .
نظرت إلى طاولته من جديد, حيث توضعت هناك كأسا من الماء إلى جانب فنجان من القهوة البارد الذي ارتشفته شفتاه, حتى هذا الفنجان هو أكثر حظا منها، فهو يقطن هناك بين أنامله
.. تقبله شفتاه بين فترة وأخرى .. كم تمنت لو يتمرد ذلك الفنجان وتلك الكأس .. تهتز بين يديه.. وتقع على طاولته وأوراقه .. فيسرع ليبعد الماء عنها .. يرفع رأسه فيلمحها واقفة عند
ذلك الباب.. تنتظر أن يدعوها للدخول
حاولت مرارا أن تدخل.. تفرض عليه وجودها.. وتكون جزءا من أوراقه ومكتبه وحتى مكان فنجان قهوته وكأس مائه, وكلما أرادت أن تتخذ هذه الخطوة تخونها ساقاها.. تتسمر في مكانها.. ويمنعها كبريائها من المبادرة دائما..
لم تكن حيث تقف, ترغب بأي شيء.. فهي لن تزعجه ولن تقلق راحة صمته الطويل ..
أرادت فقط أن يراها.. أن ينظر إليها ولو لبرهة.. يرمقها ولو بنظرة خاطفة.. معاتبا .. متجهما .. غاضبا.. لايهم ..
تعبت قدماها من الوقوف.. لايهم ان تناولتها عيون المارة.. ألسنتهم أيضا لايهم..
لو انه فقط يغمرها بعينيه, يعاتبها بحاجبيه, ليتذكر فقط أنها هنا.. قربه.. أمامه.. واقفة قبالته.. تريد فقط .. أن تذّكره أنها هنا معه ولأجله .
ينشر بالتعاون مع موقع يارا صبري
ربا الحمود : ويستمر عزفها على شريط الذكريات لتحاكي لنا لمحات من مستقبلنا .






