قلوب صغيرة -مغامرة مؤلمة

أدهشني «قلوب صغيرة» بحرارة الموضوع، وتعبير الفنانين وصدق التوجه، وموشورية التشريح، وسألت ما ميزة الدراما السورية؟ يتحدث المتحدثون عن جدية الدراما السورية، p20_20090521_pic1fullويتحدث آخرون عن الموضوعات، وآخرون عن الاستديو، وآخرون عن الكادر التمثيلي العاشق، وآخرون وآخرون.. ولكن المنصف المتفحص يجد أن النجاح الكبير يقف وراء كل هذه الأسباب مجتمعة أو مفردة، فعمل مثل «قلوب صغيرة» الذي كان من المقرر أن ينتج العام الماضي، وتعثر إنتاجه لأسباب عديدة، بقيت الفنانة يارا صبري ملتزمة بنصه، مؤمنة بكاتبته، وتحول إلى مشروعها الخاص، حتى ظهر إلى النور هذا العام، وتبدو فيه جهود يارا صبري الواضحة، والتي لم تعمد إلى طمس وجود الكاتبة، بل بقي اسم الكاتبة منفصلاً دون مشاركة في الشاشة سواء في البداية أم الختام.


المهم.. لقد وقفت أمام قلوب صغيرة من الحلقة الأولى، ووجدت أطفالي يضحون بعمل آخر من أجل متابعته في وقت العرض الحساس، وسررت لأن أمر المتابعة بيني وبين أسرتي جاء متوافقاً حتى لا أحرم متعة المشاهدة والتفكير.
منذ سنوات طويلة عرض عمل مهم من كتابة إبراهيم ياخور عن دور المسنين ورعايتهم، واليوم تقدم ريما فليحان عملاً مهماً ينتمي إلى الخط نفسه عن الأطفال والتربية والمياتم والتشرد، طبعاً ليس بإمكاننا الحكم على العمل فنحن لا نزال عند الحلقات الأولى، ولكن ما تم عرضه حتى اليوم يظهر الرسالة التي أراد العمل تقديمها، فنحن أمام أطفال وقع عليهم التشرد والظلم يحاطون بأسر محبة وفقيرة، أو بأسر لا تكترث لشيء، ويساقون إلى مأوى لا نبض فيه ولا حياة.
ونحن أمام جهود فردية ضحت بحياتها الخاصة ووقتها من أجل العمل الإنساني، ولكن هذه الجهود تصطدم بواقع إداري اجتماعي فاسد للغاية، وأمام واقع اجتماعي مادي متردٍ، وأمام لامبالاة غير مسبوقة التصوير في درامانا.
ومن خلال عملنا الصحفي أشرنا إلى موضوعات مماثلة سابقاً ولا نزال، ولكن قيام قلوب صغيرة بتصوير هذا الواقع بكل تفصيلاته وتناقضاته ابتداء من الإنسان العادي وصولاً إلى أعلى السلطات الوصائية في الجانبين الخيري والاجتماعي يعد نجاحاً للدراما السورية.. هذا هو بالتحديد سبب نجاح الدراما السورية.
إنه المغامرة من أجل الفكر.
إنه التشبث بالأفضل.
إنه تمسك نجومنا الكبار بالمجتمع وتقديم الأعمال اللائقة.
من المؤكد أن مثل هذا العمل احتاج إلى مغامرة وربما تأجيل الحصول على المكافأة والأتعاب بانتظار النتائج، ولكن دموع الأطفال التي رأيتها وهي تتابع «هديل» أو الأطفال داخل المأوى أو المشفى هي أكبر مكافأة لفنانتنا يارا صبري، ولسلوم حداد ومنى واصف وريما فليحان وعمار رضوان.
أما السبب الأهم في نجاح الدراما السورية فهو الوعي الناقد لدى المتلقي فاليوم ومع انتهاء شهر رمضان ستكرس ريما فليحان درامياً، وسيكون قلوب صغيرة في قمة أعمال الموضوع، وإن غابت عنه الموضوعات الحارة كما يراها كثيرون. وفي العام الماضي رأينا مثل هذا الوعي حين سقطت أعمال حملت أسماء كبيرة أمام تجارب أولى لشباب مبدعين.
كم من الأعمال التي حملت عبارة «الكاتب الكبير» زوراً وبهتاناً لكاتب سقط من «روزنة الكتابة ذات يوم» كم من هذه الأعمال سقطت ولم يشفع لها الإنتاج الكبير وشوفينية الكاتب الأكبر؟! وكم من الأعمال انهارت وهي تحمل توقيع مخرج كبير؟ لمجرد أنه رأى نفسه أكبر من الجمهور؟
الكاتب الكبير لا يزال ينظّر.
يفتح فمه على آخره ليقنع المتلقي أو يبتلعه.
يرفض أن ينتقده أحد لأنه أفهم شخص في الكون كثيرون يمارسون التجذيف عكس الماء والموج، ومع أنني كنت سابقاً أفرح بمعاكسة التيار، وأعجب بمعاكسي التيار، إلا أن التجربة والمتابعة أثبتت أن هؤلاء المعاكسين يمارسون البهلوانية، فهم معاكسون أمامنا، تجار خلف الظهور يصفقون لليسار، ويبكون أمام رجل دين، ويمارسون الأستذة علينا.. لكنهم لا علاقة لهم بنا أو بهمومنا، وهمومنا هي الكبيرة التي تصنع مجتمعاً.. أليس هو الذي يشتم المال ولا يقبل لأولاده سوى الغرب، ويتحدث عن التمرد، ومخدته يسندها عدد من أصحاب القرار فلا علاقة له بهمومنا… ومن هنا سقط مع طروحاته.
استمرت الدراما السورية لأنها تؤمن بالفجر الجديد، فاليوم تظهر أسماء جديدة، وفي كل عام تظهر أسماء جديدة، ولن يتوقف الأمر عند أستاذنا الخارق الذي يقول وقوله لا قول بعده..! وإذا أراد البرهان على أمر فالشيء الوحيد الذي يقوله: أنا قلت..!
لهذا كانت الدراما السورية متفوقة
وستبقى متفوقة إلا إذا تحول كتابنا أصحاب المشاريع ومخرجونا المبدعون إلى التورم المرضي..
أطلت الحديث، لابد من التوقف حتى لا يظن أحدهم نفسه مقصوداً، وإن ظن فلا بأس.
شكراً لكل المشروعات التي تحمي الوطن وتحمله وتقويه، ولا تعتني بالأشخاص والدفاع عن كينونتهم، حتى وإن كان أحدهم كيّساً فَطِناً!
اللهم إني صائم.

الكاتب : ابراهيم مروة من جريدة الوطن السورية

27/8/2009

نقلا عن موقع يارا صبري

اضف تعليق او اضف رابط تبادل

اضف تعليق

عنوان بريدك لن يعرض للعموم المعلومات المطلوبة بجانبها اشارة *

*
*