أيها السيدات والسادة
مساء الخير
ليس مجرد التماسك الداخلي في النص الأدبي هو كل ما يهم فيه , فالأدب حياة وغذاؤه الحياة ,ولن يكون أدبا اذا لم يتح لنا أن نعيش خبرة حياة .ووظيفة العلم هي جعل فكر الإنسان أكثر نقدية , ووظيفة الفن هي جعل الإنسان أكثر حساسية تجاه كل ظواهر الحياة . وعندما لا يقدم الفن خبرة الواقع المعيش وتساؤلاته المدهشة , يفقد جوهريته ,فالخبرة العميقة والدقيقة التي تتجاوز الفكر التقليدي في اكتناهها للواقع هي الينبوع الجوهري لكل ابداع . فلا اجترار , ولا تكرار , ولا اعادة إنتاج .
وهذا التجاوز , والصدور عن التجربة , والحساسية المرهفة هي بالضبط ما نجده عند الشاعرة ((نضال حمارنة )) والشاعر ((عبد السلام حلوم )) على الرغم من فرادة كل منهما , وشخصيته الادبية المتميزة ,
نلاحظ في شعر ((حلوم )) لا انتصار الزمان على المكان بل على الانسان , كما في قصائده (( أمومة الجوري )) و (( ومكالمات لم يرد عليها )) و(( الذين رحلوا )) , ولكن الفن يحييه , يبعثه , ينصره وينتصر به , ومن الزمن العابر يطل الشمولي , ومن شهر نيسان الآفل تطل الرحمة الاسطورية والرعاية الشفائية التي تعزى الى مريم العذارء . فيمسح نيسان بكفه المريمية رمد الأبواب ,
فتنتبه للعشب
كيف يشد بأهدابه الغضة على العتبات .
وفي قصيدة (( الساعة )) يبرئ الشاعر الزمن من جريرة كل شيئ , فلا يزال فيه متسع لدور الانسان , ويثير مسألة الحرية
بوسعهم أن يكونوا ضد شيئ أي شيئ
بوسعهم أن يعاكسوا حتى ظلهم
فلماذا كلما أضاعوا فرصة
لعنوا تلك الساعة .
وفي قصيدته (( يسمونه عندنا )) يقدم احتجاجا شعريا عميقا على صورة الوطني عندنا .
إن الشاعر يتقمص الاشياء ومظاهر الحياة , ويجعلها تتكلم بدلا من أن يتكلم عنها .
حتى الممثل , كما يقول برخت , إذا تخلى عن التقمص الكامل فإنه لا يقول نصه كأنه نابع من ذاته , بل كأنه استشهاد .بل إن رؤية الشاعر تتجاوز التقمص الى التماثل مع الشيئ ومعرفته من الداخل , كما في مقاربة الزن . فهو يصير نيسان , وساعي البريد , والشموع , والثلج , والساعة وغير ذلك .
وفي كل صيرورة التقاء بين مجالين , وتقاطع واقتناص للسنن ينجز فيه كل منهما المغادرة الموطنية . وإذا كانت القصيدة تأملا في الحياة والوجود , فإن الوجود في الفن . لذلك فهي طريقة في زيارة الحساسية الفنية بعيدا عن الصراخ , والرواسم , والأفكار التقليدية .
وبعيدا عن الفكر التقليدي كذلك تتفجر قصائد ((نضال حمارنه)) بالحياة بكل قوة . كلا الشاعرين يرسم تجاربه قصائج نثرية , ولكنها تتحدى نثر الحياة وتضاعف الإحساس بالدفين , والعميق , والمتوتر الجميل . وفي شعر نضال حمارنة ثورة على الجمود , وعلى العوائق , وفيه حرارة النبض الملون بكل ما في القلب من تناقضات , تصور درامة العلاقة بالآخر , في شدها وجذبها , وجوعها وإشباعها البري , وقد تطول الدفقة الشعرية وقد تقصر , وتنخفض وتعلو , لتهزك مفاجأة الخاتمة . وقد تكون القصيدة بضع كلمات ترسم تجربة كاملة , كما في قصيدتها
(( الى شبّ الكوبّا )) :
حبي لكَ
بلا قيد
نفوس
متل أطفال الطبيعة .
قد تبوح القصيدة بالانكسارات , والخيبات , ولكنها لا تهدأ , ولاتقبل الاستكانة , ولا تكف عن التحدي . وقصصها امتداد للشعري . وهي ليست شعرية من خلال جمل أنيقة مزخرفة , وانما بالحالة الشعرية للقصة أولا , وبالانبثاقات الداخلية التي
لا يعبر عنها الا بلغة الشعر . وقصصها قصص المفارقة الواحدة , سواء منها القصة القصيدة أو القصة القصيرة جدا . وهي
تجارب غنية بالحياة , تقنعك بصدقها .وحتى حين تكون القصة مستوحاة من فكرة قرأتها , تكون معجونة بروح الكاتبة وتوهجها كما في قصتها (( شهوة متلبسة )) وتتعاطف قصصها مع الابداعي , والحيوي , في فرحه وألمه , وتناقضه مع الجامد والميت .
أرحب بالشاعرة الأردنية نضال حمارنة وبالشاعر السورية عبد السلام حلوم وأدعوهما الى المنبر .
صاحب الكلمة الدكتور الاستاذ المترجم محمود منقذ الهاشمي.
تنسيق مدونة الياسمين الدمشقي
محمد وائل بوشي
الفوتوغراف ل : Ken Williams






