أنا ونسيم الروح

6965759-md

غادرت مكتبي بعد دوام مسائي طويل ، كان الجو صيفياً حاراً…… مفرغاً من الهواء ،…. الطريق الموصل بين المكتب والساحة الرئيسية للمدينة ، بدا كعادته متخماً بالأجساد ، والسيارات وأسياخ الشاورما ،….الحر يبعث على الضجر، يرفع حرارة الرأس ..يحدث انزياحاتٍ بالرؤية والأفكار.


ذلك المساء، خيل إلي أن الشارع والرصيف ممتلآن بأكوام البطاطا …. نعم بين كل إشارة مرور وأخرى ، لجهة اليمين واليسار، كانت تتوضع عليهما تلة من البطاطا (الفريت ) الساخنة والمموهة بألوان الصلص البيضاء والحمراء ، أما المارة من البشر فقد بدوا لي بشوكهم التي يحملونها ، كأنهم متزلجون مهرة ، ينزلقون بين تلة و أخرى كأنهم يمارسون هواية مسائية مفضلة ،… قلت في نفسي :


- قليل من الكتشب أو المايونيز قد يجعل الأجساد الضخمة ذات الرؤوس الصغيرة تنزلق بخفة وليونة أكثر.


…..هكذا بدا لي المشهد ذلك المساء ،غريبا” كما هي الأفكار التي خالجتني فيه ، ساخنة وطريفة لها رائحة الشواء أكثر من أي شيء آخر …. ضحكت في سري لتلك الرؤية وتابعت مسيري بخطوة هادئة وموزونة .


عند أول مفترق للطريق ، حدث لي ما يحدث عادة .. التماعاً أو لنسميه اختراقاً مفاجئاً في الذاكرة ، لم أقع له على تفسير بعد ، إذ يحدث معي أحياناً أن أنسى مواعيد مدونة بما في ذلك جلسات القضايا ، و أتذكر في الوقت نفسه ومن غير مقدمات مواعيد غير مدونة هي أدعى للنسيان .


…..كنت قبل أسبوع قد عزمت على الذهاب إلى سينما الكندي لمشاهدة فيلم كان قد أثنى عليه أصدقائي ممن حضروه ، ومن بينهم مخرج سينمائي ، وحصل أن نسيت هذا الموعد في الأيام التالية ،…..غبطت نفسي على هذا التذكر المفاجئ والصاعق ، وعجبت مرة أخرى من ذاكرتي المدهشة والكسولة في آن ، كيف استطاعت أن تستحضر مفردات مثل (سينما)، (فيلم)، بعد أن أضحت علاقتي بالسينما كدار عرض ، لا تتجاوز مرة في العام ، … نظرت إلى ساعتي ،كانت تشير إلى التاسعة والربع ، قلت :


- بقي ربع ساعة إذاً على بدء العرض.


اشتريت علبة تبغ ، وبقفزة واحدة أصبحت أمام موظف التذاكر ،.. سألته بلهفة :


-         هل بدأ العرض ؟


وقبل أن يجيبني بلا ، أدركت عدم جدوى انتظار الإجابة ، لأنني كنت قد حسمت الأمر في سري وقلت:


- سأدخل ، ولو كان العرض قد بلغ منتصفه .


….استلمت تذكرة الدخول ، من نوع البلكون ، ذات القيمة /35/ل.س ، و في هنيهة جال في خاطري مصطلحات مثل …اشتراكية….قطاع عام ….الدولة الراعية.


…..بعد أن اطمأننت على الحجز، و بزفير طويل عاد إلي ّ انتظام أنفاسي ، وهدوئي ، ثم وبلمحة واحدة إلى بهو الصالة وللصور المثبتة عليه ، استعدت حنينا” مفقودا” إلى سينما أيام زمان و أفلامها ، غير البعيدة كثيراً ، ….. سلمت بطاقتي إلى موظف الدخول ، و أخذت أصعد الأدراج بشيء من الخفر، والاختزال ، ساعدني على ذلك أن لا أحد كان يزاحمني في صعودي ،…..وحدي كنت أتحرك في المكان ،…..و بحرص و هدوء شديدين ، فتحت باب الصالة ، مخافة أن أقطع الانتباه على الآخرين ، بطاقتي في يدي تنتظر في العتمة يد موظف الجلوس ( أبو البيل) ، الذي لم يكن يقف خلف الباب هذه المرة ، على غير العادة ،…. بدت الصالة مضاءة إضاءة خفيفة تسمح بتفحص المكان ، وبعد أن استعادت حدقة عيني حجمها الطبيعي ، و بنظرة واحدة مع نصف استدارة للرأس كانت المفاجأة!!.. فركت جفوني بيدي، ثم رففتها أكثر من مرة ، و أخذت أجلو البصر من جديد ،…. لم تتغير الرؤية !!!، قلت في نفسي متسائلاً:


-    هل تحول الحاضرون الآخرون في الصالة إلى كائنات غير مرئية ؟ و أردفت :هل يكون هذا إنجازاً تقنياً تالياً ، بعد إنجاز السينما ثلاثية الأبعاد التي سمعنا عنها و لم نرها في بلدنا بعد .


…… بعد أن زالت دهشتي ، و زوغان بصري ، أدركت أن لا أحد غيري يملأ بجسده فراغ الصالة،…. في الوهلة الأولى ، بدا الأمر لي غريباً ومفزعاً ، تجمدت في مكاني ، و أخذت أفكر في حقيقة المكان الذي دخلته ، أدرت شريط الذاكرة إلى الوراء ، و أخذت أستعيد ببطء تسلسل الأحداث التي مرت معي … خروجي من المكتب …. شارع البطاطا … تذكري المفاجئ لموعد الذهاب للسينما … علبة التبغ التي اشتريتها ، تلمست علبة التبغ في جيبي فوجدتها ‘ عندئذ فقط استعدت حقيقة وجودي والمكان الذي أنا فيه.


لا أخفي عنكم ، كنت مقدراً سلفاً أن يكون عدد الحضور في الصالة قليلاً في آخر فترة من آخر يوم عرض للفلم بعد عرضه لأكثر من شهر في تلك الصالة ، خاصة وأن الأمسية صيفية ، و الأماكن المكشوفة تصبح مغرية ، و مرغوبة أكثر من صالات السينما المغلقة    و ذات التكييف السيء ،…. قلت خطر لي ذلك ، إلا أنني أصارحكم ، لم و لن أقدر يوماً، وبرغم كل شطحات خيالي، أن أكون المشاهد الوحيد لفلم سينمائي ، في صالة عرض كبيرة.


… أول الأمر بدا لي المكان موحشا” وكئيباً ، بسكونه وخفوت إضاءته ،… أول شيء فكرت فيه بعد ذلك أن أرجع خطوة إلى الوراء وأجعل باب الصالة خلفي ، وأخرج من هذه الورطة التي وضعت نفسي فيها بإرادتي ، ثم قلت في نفسي:


-         من يدري أنك فعلت ذلك بإرادتك ، ربما وقعت ضحية مؤامرة كبيرة ، وأنك إن خرجت من الصالة الآن ، ستجد أمامك صفاً من البيكومونات ، ذات الشكل الكرتوني الغرائبي المفزع ، تأمرك بالعودة إلى داخل الصالة ، وقد يطلبون منك طلبات أخرى، ومن يدري إلى أين ستنتهي بك تطورات افتراض كهذا .


ثم خطرت في بالي فكرة أن أكون قد دخلت بطريق الخطأ فصلاً من فصول رواية بوليسية من روايات الكاتبة الشهيرة (أجاثا كريستي) ، قلت ربما… من يدري، ثم قلت لنفسي:


-    عليك أن لا تسترسل كثيراً في مثل هذه الخواطر و التهيؤات ، وإلا ستكون النتيجة سيئة عليك ،…. حاول أن تستعيد رباطة جأشك واتزانك ، بتذكر أشياء من قبيل أنك رجل ومحام وأشياء أخرى قد تساعدك على ذلك .


…. وما أن استعدت ثقتي بنفسي إلى الحد المعقول حتى قلت لنفسي :


-         مالك يا رجل ، الأمر عادي وكل ما فيه أنك لم ترتب هذا الموعد مع أصدقاء آخرين.


بعد ذلك بدأت تستحوذ علي أفكار من نوع آخر، مثل : التجربة فريدة وتستحق المتابعة خاصة وأنك كنت عرفت مسرح الممثل الوحيد ، و ربما سمعت أو لم تسمع بسينما الممثل الوحيد ، لكنك لم تر أو تسمع لا أنت ولا غيرك بسينما المشاهد الوحيد ، ثم امتد فيّ الخيال بعد هذه الفكرة إلى مستقبل قريب أو بعيد، لا ادري ، ربما نشهد فيه من قبيل التجريب المسرحي والسينمائي مسرحاً أو سينما بلا مشاهد …. ، و عند هذه الفكرة الأخيرة ضحكت ثم قلت لنفسي:


-    وما الذي يضيرك أن تكون المشاهد الوحيد للفيلم ، قد يشبع ذلك بعض نرجسيتك ، ومع هذه الفكرة أخذ يعتريني شيء من تضخم الذات، قلت :


-    لم يحصل لأحد قبلك …. كل هذا الكادر والعرض والمكان في خدمتك وحدك .. ، وما الغريب في ذلك ؟  إنك تعيش في عصر عرف أوج التطبيقات والمقولات الديمقراطية والليبرالية ، .. كل شيء في خدمة الفرد ، ….. كل شيء في خدمة الفرد حتى ولو كانت الجماعة ذاتها .


ومع ازدياد هذا التورم في الأنا ، و بلهجة جازمة قلت :


-         بالتأكيد أنك تستحق ذلك وإلا ما وعدت به ، .. وها هو يتحقق لك الآن .


بعد ذلك خطرت لي خواطر أخرى من النوع الواقعي والعملي ، مثل ، إنها الفرصة الوحيدة لاختيار المقعد الأنسب للمشاهدة ، وتذكرت على الفور أنني غالباً ما كنت منغصاً في ذلك .


أصارحكم ، أعجبتني كل تلك الخواطر والأفكار التي راودتني و أنا لا زلت أقف أمام باب الصالة ، وأقنعتني ، فاندفعت لأحتل مقعدي …. نظرت إلى نصف التذكرة لأحدد الصف والمقعد ، فلم أجد عليها ما يشير إلى ذلك ، قلت:


-         ماكرون عرفوا أنني سأكون وحدي لذلك تركوا لي خيارات الجلوس مفتوحة هذه المرة.


…. توجهت رأساً إلى الكرسي الذي ينتصف الصف الأول من الصالة ، استويت عليه ،ثم .. ما هي إلا لحظة حتى خطر لي أن يحضر أحد ما و يعترض على طريقة جلوسي ، ومن يدري قد يتطور الأمر ويطلب مني تبديل المقعد …. انكمشت في مقعدي واستعدت لياقة جلوسي ولكي أرضي نفسي قلت:


في كل الأحوال أدب الجلوس مسألة تعبر عن احترامك لنفسك قبل أن يكون ذلك للآخر ، أما أن يطلب منك تبديل المقعد فالمسألة مختلفة ، قلت : هذه المرة سأتمسك بمقعدي ولن أغادره مهما كلفني ذلك من جدل ، و سأدافع عن نفسي جيداً .


بعد ذلك خطر لي أن يحضر المسؤول عن الصالة أو أحد مندوبيه ، ويعتذر لي عن تنفيذ العرض ، باعتباري المشاهد الوحيد له ، ويعيد لي ثمن تذكرتي التي قطعها ، وسرعان ما تذكرت أن الصالة قطاع عام وليس من السهل عليه أن يسوي أمر تذكرة قطعها ، و أنا الخبير في ذلك .


استعدت اطمئنان بالي وراحته ، وأخذت أشغل نفسي بتأمل أشياء من النوع المحسوس …. السقف ….. اللوحات المضاءة على الجدران مثل : إطفاء - مخرج- ممنوع التدخين…. المقاعد ….. المكان كله بدا مسكوناً بشبح الماضي بأشخاصه وتواريخه .


كثيرة …. كثيرة هي الأفكار والخواطر التي راودتني في الدقيقة الأخيرة التي فصلتني عن سماع رنين جرس بدء العرض ، منها ما كان يتصل بأزمة السينما ، ومنها ما كان يتصل بغير ذلك ، منها ما كان لدي بعض جوابه ، وبعض الرأي فيه ، ومنها ما كنت لا أملك فيه رأياً و لا حلاً ، إلا أن السؤال الكبير والوحيد الذي بقي مفتوحاً  و ملقى في وجهي من دون جواب :


-  ما الذي حملك في هذا المساء الصيفي إلى هذا المكان الموحش و الكئيب وجعلك وحيداً فيه والآخرون والمدينة في مكان آخر؟؟؟ .


… رن جرس الصالة ، .. انطفأت الأضواء ، .. شع نور الشاشة بفيلم” نسيم الروح”….لحظات وأخذت نسائمه تتغلغل في مسامات الروح والجسد ، توقظ الأحاسيس و الارتعاشات.. لتعيدني إلى زمني الرومانسي المفقود .


ساعة ونصف تقريباً  مدة العرض ، كان بسام كوسا وباقي النجوم يتحركون حولي بحرارة و حميمية ، كما هي المشاهد ، …. ساعة ونصف ، كنت فيها داخل العرض ، وليس مجرد متفرج عليه .


شكراً  عبد اللطيف عبد الحميد لأنك لم تشأ أن أبقى وحيداً تلك الليلة ، لقد كان معي ضوء الحب الذي لا يغادر أفلامك .. إلا إلى قلوبنا .


***********************

خالد سعيد - حلب

Khaled-said@maktoob.com

الفوتوغراف ل :

Katerina Lomonosov

اضف تعليق او اضف رابط تبادل

اضف تعليق

عنوان بريدك لن يعرض للعموم المعلومات المطلوبة بجانبها اشارة *

*
*