
كما في كل صباح ترسل الشمس إليها خيطا ينقر على جفونها ليعلن بداية يوم جديد..
وكعادتها.. تفتح عيناها بكل كسل.. تنظر إلى الساعة.. دائما تستيقظ قبل المنبه بعدة دقائق.. وتؤنب نفسها.. كان بامكانها النوم دقائق أخرى..
و هذا الصباح كان كغيرة من الصباحات.. لكن خيط الشمس بقي طويلا يستجدي عينان مستيقظتان.. لكن ترفضان الإعلان عن يوم جديد..
ان المنبه.. وأجبر على السكوت بدوره هو الآخر سريعا, وظلت الغرفة في هدوء كئيب..
مضت دقائق أخرى قبل ان تفتح عيناها.. وتنظر إلى أصابع يديها.. تتفقدهما في فضول وتساؤل..
انه هناك.. يلمع بكل ثقة, وكأنه يسخر منها..
يقبع في اصبع يدها اليمين معلنا ان ما جرى أمس لم يكن حلما, وكذلك لم يكن يقظة..
انه حقيقة تعلن عن نفسها بخاتم ذهبي تتخلله عدة أحجار براقة في وسطه, ليصرخ بكل لمعانه بأنها الآن مرتبطة رسميا برجل..
قبعت في سريرها طويلا تفكر بالمرحلة الجديدة التي ساقها إليها عمرها الذي ناهز الثلاثين, فهي باتت تخشى فكرة العنوسة..
وأخيرا.. لن تصطدم بالنظرات التي كانت تلحظها من أخواتها وأمها.. حتى والدها لم يستطع إخفاء قلقه و امتعاضه, وربما رغبته بأن تنتهي مهمته بمراقبتها لتنتقل هذه المهمة إلى آخر..
فبرغم خلافات عائلتها الدائمة بين بعضهم, إلا أنهم اتفقوا على ان يتهامسوا دائما على ضرورة زواجها..
نظرت إلى الخاتم من جديد, وقلبته بنظراتها, وللحظة أخرى شعرت بمدى تلك المسؤولية التي فرضت عليها مقابل بضعة غرامات تحيط إصبعها وفكرت بصوت مسموع :
“ماذا فعلت بنفسي” ؟!
” لم أكن ارغب به بهكذا خطوبة” !!
” وهل بعد ثلاثين عاما أبحث عن الحب.. ارتبط ضمن خاتم تقليدي.. وفقط.. لأجل ان ارتبط برجل.. وأي رجل..”
” ليس هو الذي طالما حلمت به والذي خبأت له كل مشاعري وحبي..”
” حلمت طويلا بقصة حب مع رجل احترق شوقا لرؤيته, لأتقاسم معه لحظاتي السعيدة وكذلك الحزينة..”
” رغبت ان أكون أنا بطله هذه القصة, وان نرسم معا خطوات حياتنا .. وإذا بي امسح من ذاكرتي كل أحلامي عند الرجل الذي طلب ان يرتبط بي, لكن!! من والدي..”
” لماذا قررت الصمت عندما تقدم لخطبتي؟ “
” ولماذا استمريت بصمتي عندما وافق والدي عني؟ “
” ولماذا قبلت أمس بلبس هذا الخاتم الذي شد وثاقه على أنفاسي..؟ “
” لعلي قد أخطأت.. كان علي التريث أكثر.. وربما أن أرفض وبكل ثقة, فهو ليس من أرغب بأن امضي معه بقي حياتي “.
” وكوني جاوزت الثلاثين وأنا عازبة فلماذا لا أكمل عزوبيتي وأنا مرتاحة البال.. على ان أنهي انتظاري بموت بطيء لمشاعري..”
” فانا حتى الآن لا أرغب بسماع حديثه ولا حتى نبرة صوته, ولا أعرف حتى كيف يفكر, وفيما إذا كنا سنتفق في أفكارنا أم لا.. عدا عن أني لا أكنّ له أي مودة.. فكيف لي بان أحبه؟!”
” وهو أيضا.. قرر خطبتي بعد عدة زيارات لنا كعائلة, فكيف له ان يتخذ بحق نفسه قرارا بالارتباط من فتاة اكتفى ان يرضيه نسبها ومستوى تعليمها!!”.
” ربما تسرعت, وعلي ان أصحح الخطأ فورا.. فهذه حياتي.. وأنا من أقرر رسم معالمها وليس والدي..”
انتفضت من سريرها مسرعة.. وكأنّ مسا أصابها, وهمت بالخروج من الغرفة لتخبر والدتها بما عزمت عليه..
لكن.. الباب فتح قبل ان تضع يدها على قبضته, وظهرت منه والدتها بوجه تغمره السعادة.. وأسرعت تناولها الهاتف.. وتهمس في أذنها :
” انه هو.. يريد ان يحدثك..”
” أنت محظوظة يا ابنتي لأن رجلا مثله خطبك ويريدك زوجة له..”
أمسكت الهاتف من يدي أمها, وغاصت في حديث طويل..
ربا الحمود : حقوقية وكاتبة في الشأن العام تحكي لنا بوحا خاصا وأنثويا جدا .
ينشر بالتعاون مع موقع الفنانة يارا صبري .
الفوتوغراف ل : Jochen van Eden










