حديث منفرد
- هو -
(1)
تفاجئني قبرة صغيرة ذات مساء ..
وأنا أعد ما تبقى من حصى على الطريق .
وردتها أطلقت بتلاتها هذا الصباح ،
أما أنا ، فأعالج بتلاتي بإكسير قد لا ينفع ،
تداعبني وتلاعب شعر رأسي ..
وتملأ الغرفة ضحكاً
ورقصاً ..
تشعل أضواءً تفيض على تحمل عيني
بأصابعها وعينيها اللامعتين ..
وتطلب من أيامي أن تعود من جديد
أن تعود إلى الوراء ..
كأن الزمن عندها لا يعني شيئاً ،
تسخر منه ،
وتغرقه بالضحك ،
بينما أداعب في زاوية الغرفة قطتي العجوز .
ترميني بالعطر،
وترشني بالماء وترميني بالوسادات ،
تضحك الحديقة لها في الخارج
بينما تذبل نباتاتي في أصصها .
* * *
حديث منفرد آخر
-هـي -
(1)
باطل هذا الزمان
إذا كان سيأخذك مني ،
بعيداً داخل غابة مجهولة ،
روح حية تنبض في جسد أعمى ، أنتَ .
أكرهُ الساعات ،
والزمن ،
وكل ما يخص الوقت اللعين ،
لأنه لا يوازي بيني وبينك ..
أحلم دائماً
بمحمد يولد من جديد …
محمد يخرج النور المختنق من القمة العمياء ،
وإذا كنت ستغادرني يوماً ..
فلن تكون لجسدي أسطورته ،
وستغرق الأيام الآتية
في بئر عميق ،
وأضيع في نبضات عقارب الساعات
في البراري الشوكية .
**
(2)
ولن أنفذ وعدي مع الأيام
بمتابعة المسير بإذعان ..
سأرشق الدنيا بالأحجار ،
ولا أغادر غرفتي ..
وأكره أن أحب ..
وسألتقي بك رغماً عما يحصل
في كل فرصة أصطادها كذئبة ،
في حلمي، وفي الصور العتيقة ، وفي قصائدك ،
وبين ياقات قمصانك الباردة التي تقف على الحياد …
سأجمد كنافذة في جدار ،
وأجمع حبات المطر كي أبلل بها معطفكَ ،
كأنك داخل من جو عاصف للتو ،
سأشعل لك الموقد ،
وأرتمي في حضن الفراغ …
سأترك صوت فيروز والأغنيات التي كنت تسمعها
تغرق المكان .. وأعيش معك لحظات
من موسيقى ومطر ..
كما كنت تحبُّ ..
سأجمع الكؤوس والأواني التي شربت من حوافها
وتناولت منها طعامك .
**
(3)
سأرش جسدي بعطرك القديم ،
وأملأ المكان ..
كي تكون حاضراً
أقوى من حضورك حين كنت بقربي ..
تقرأ قصائدك وأنا أضحك أو ابكي ،
سأرش وردات الحديقة والشجيرات بالماء
كما كنت تفعل صباحاً
كي أغشها بحضورك ،
ليكون غيابك أسطورة حضور مباغت وخفيف .
سأنزع الشعرات العالقة بمشطك
وأزرعها على شعري ونهدي والوسادة ،
كي تكون مستلقياً نائماً بجانبي
سأزرع الأمكنة بصوتك وصورتك على كمبيوتري الشخصي ،
وأرفع الصوت ..
كي لا يكون لأحد حجة غيابكَ ..
وأرش الأرض بماء الصابون الذي وضعته في حمامكَ
ومغاسلك ،
كي أشم رائحة خروجك بعد حمام أنيق ..
**
(4)
سأطلب من الأصدقاء ان يهاتفوك إلى منزل ،
ليرن جرسه في الغرفة ،
وسأعيد فتح الصناديق التي أغلقتها الأمهات بعدك .
وأخرج أسرارك ..
والثياب المهملة …
وأرتب القميص مع البنطال كي تكون أكثر وسامة ،
وأترك الصنابير مفتوحة
كي تكون منشغلاً في المطبخ
وأمام المغسلة بحلاقة ذقنكَ ،
وأشغل غسالتكَ ،
وأحرك أصص النباتات من مكان إلى آخر ،
وأعيد ترتيب فناجين القهوة ،
بعد أن أحضرها لك ولي ..
وأقبل الورود في منتصف الطاولة بين فنجانين ..
وحين يجيء زائر ثقيل كي يتحدث عن الماضي ،
ويرهب المكان بغيابك البدهي ..
سيكون قلبي قد توقف عن حركاته البهلوانية ،
بعد أن يمضي ،
توقف تماماً .
***
محمد دالاتي : مواليد 1966 درس الأدب الانكليزي في جامعة حلب ، يكتب الشعر والرواية ، شارك في مهرجانات جامعة حلب عندما كان طالباً ، نشر شعره في صحف عربية عديدة نشر مؤخرا رواية بعنوان ( ايبولا) ، قام أيضاً بترجمة بعض القصائد عن الشعر الانكليزي .
الفوتوغراف ل : Kemal Kamil AKCA







3 تعليق
حديث جميل .. كاتب ابدع بكتابته
ذآئقتك جميله سيدي
احسنت
انه روائي وشاعر يتقن الحس الجمالي المرهف والمميز في اللغة
اهلا بك عزيزتي تسعدني دائما زياراتك وتعليقاتك اللطيفة
كلمات جميله
والاجمل هو الطرح
واشكر كاتبة تلك الكلمات
على روعة قلمها ومايخطه
والله يحفظكم ويرعاكم ,,,