(1)

قمر ناعم ،
يرشدنا إلى أول الريح ..
والحوافِ الجارحة للأحجار التي تحف خواصرنا،
والحال أننا ، حين نقف على حافة العالم ،
نتراشق ما يشبه أحلاماً صيفية ،
لسنا سوى حجر صغير
يسند البوابة الكبرى ،
حيث يولد هناك
ما نسميه الأمكنة الغائبة ،
قمر ناعم
ينادينا : يا أول الريح .
يرشدنا إلى نعاس في منتصف النهار
حين نخرج من بوابة المسرح الحجري ،
حيث تكثر النهود المتهدلة للأمهات الفارعات ،
لنرفع الأكاليل الخضراء لتمثال المحارب المغمور ،
قمر ناعم ..
يرشدنا إلى النساء الضائعات منذ زمن بعيد ،
يقودنا إلى ثقل اللون في الظل ،
حين يلقي بكاهله على فراشاتنا المتعبات .
إلى مكان
لا يقود بعضنا إلى بعض ،
رغم الشرفات المشرعة بيننا وبين النباتات ،
تماماً على خط استواء القلب ..
كأنه قمر يشبه قمراً حزيناً
يقودنا لضياعنا في متاهة الماء ،
وحواف الأوراق الخضراء ،
وأطياف اللون في سريره البعيد ،
قمر ناعم ..
لا يضيف شيئاً
لطريق قطعناه ولم نصل ،
بل كان يرسم لنا مجرد بداية
لعرس الشوك .
(2)
أمهاتنا العابثات بأقدار الجداول والسهول ،
وسفوح الأفق الحمراء ،
قدَّمنَ لنا مائدة ليليةً ،
كعشاء رباني يشبه الانتحار ،
والأخت الصغيرة ضاعت منا في نهاية اللعبة ،
خائفة من الحارس ،
ونشيج النباتات المحترقة بغيابنا ،
وإذ نعبر الضفة الأخرى
نتراشق القبلات ،
ونتوزع في بلاد يقودها وهم
وقمر ناعم ،
يتبادل لغةً خفية مع الخريف المبكر
كحبات المطر ،
أكثر ترحاباً بنا
في قدومنا العابر
دورق الحكايات المثقوب ،
كنا .. نلعب نرد الإغواء ،
بين ذاكرة امرأة تولد وأخرى تموتُ ،
كشتاء جاء على عجل بأمطاره التي بللت
حطب أعمارنا
وقلوبنا الهشة الحمراء ،
كيف تتوهج
مبللة بمطر ؟ …
لا نار في شعلةٍ أوليمبوس …
كيف نشعل بعود ثقاب بحيرة ماء ؟ ،
(3)
قمر ناعم .. عاتب .. مؤرق
حزين ، قمر يتكاسل مسترسلاً في أعمارنا
على حواف العشب الطري،
لا يقدر على البوح بنا
كحادثٍ عارض على سطح الماء
مؤرقٌ .. وعاتب ونادم
على ما تبلل من حرير أوقاتنا ،
قمر .. ومدفأة تخبو ،
مترعة بكل ما فكر الآخرون
أنه يشعل النار
في الأيام الباردة ،
ليكون ما يشبه الدفء ..
قمر .. بعيد ،
قمر يولدُ …
وقمران يدخلان في الشتاء
على مركب كستناء وموقد ،
وآخر يغزل أعمارنا بخيوط ماء ،
(4)
قمر يؤلف حكاية ،
لا تنسل خيوطها
فتندلق العنادلُ .
قمران متعبان
والآخر يقول :
لا تحزن !
ثمة من ينتظرنا على باب الأفق النبيل …
لا تنسل حبال الأحجيات
فتذوب بحيرات الشمس ،
ونفقد لمعاننا هناك
على أرضِ
الخرائبِ ،
ويكثر عتب البحر علينا ،
لأننا سنكون الأكثر بخلاً في المدِّ والجزرِ ،
إذ لنا المغفرة في بريق فضتنا على السطوح
لا تَنسُل خيوط المغفرة
فنذب مع الثلج .
***
محمد دالاتي : مواليد 1966 درس الأدب الانكليزي في جامعة حلب ، يكتب الشعر والرواية ، شارك في مهرجانات جامعة حلب عندما كان طالباً ، نشر شعره في صحف عربية عديدة
نشر مؤخرا رواية بعنوان ( ايبولا) ، قام أيضاً بترجمة بعض القصائد عن الشعر الانكليزي .
الفوتوغراف : William Hood






